تستعد مدينة مراكش لاحتضان فعاليات موسم “الزهرية”، المخصص للاحتفاء بزهرة البرتقال، وذلك خلال الفترة الممتدة من 22 مارس إلى 12 أبريل 2026، في تظاهرة ثقافية تنظمها جمعية المنية بمراكش بهدف تثمين أحد أبرز التقاليد المتجذرة في التراث المغربي.
ويعد هذا الموسم أكثر من مجرد احتفال موسمي، إذ يجسد تقليدًا عريقًا توارثته الأجيال، خاصة نساء مراكش اللواتي حافظن عبر قرون على فن تقطير ماء الزهر، المعروف محليًا بـ“تقطار الزهر”. ويُعتبر هذا الطقس رمزًا لتجدد الفصول والطهارة والفرح، ويعكس عمق العلاقة بين الإنسان والطبيعة في المدينة الحمراء.
وتبدأ طقوس التقطير بجمع أزهار البرتقال المر من بساتين المدينة ورياضات المدينة العتيقة، قبل أن توضع فوق أقمشة بيضاء طوال الليل، تمهيدًا لوضعها داخل أجهزة تقطير تقليدية مصنوعة من النحاس. وخلال عملية التقطير، يمر بخار الماء عبر بتلات الزهر ليستخلص زيوتها العطرية، منتجًا ماء زهر نقيًا يستخدم في تعطير البيوت واستقبال الضيوف وإضفاء نكهة خاصة على المشروبات والحلويات.
ويتميز موسم الزهرية بأجواء احتفالية يطلق عليها أهل مراكش اسم “البهجة”، وهي حالة من الفرح الجماعي التي تعم أزقة المدينة العتيقة، حيث تختلط رائحة الزهر بأصوات الأناشيد والاحتفالات الشعبية، في مشهد يعكس روح التضامن والفرح المشترك بين سكان المدينة وزوارها.
وبعد أن كان هذا الطقس يُمارس في نطاق العائلات والبيوت، تحول خلال السنوات الأخيرة إلى حدث ثقافي مفتوح بفضل مبادرات جمعية المنية، التي عملت على تنظيم ورشات لتقطير الزهر، وعروض موسيقية روحية، ومعارض للحرف النسوية، وندوات علمية بمشاركة مؤسسات ثقافية وتعليمية.
وقد أسهمت هذه الجهود في تسجيل موسم الزهرية ضمن قائمة التراث الثقافي في العالم الإسلامي لدى الإيسيسكو، كما تتواصل المساعي، بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، لإدراجه ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو.
وأصبح موسم الزهرية اليوم رافعة ثقافية واجتماعية واقتصادية للمدينة، حيث يساهم في تثمين التراث اللامادي وتعزيز دور النساء في نقل المعارف التقليدية، إلى جانب دعم الاقتصاد المحلي عبر تعاونيات نسوية تنتج مستحضرات عطرية وتجميلية مستوحاة من ماء الزهر.
وبين عبق الزهور ودفء الطقوس، تواصل مراكش الاحتفاء بهويتها وتراثها، مؤكدة أن تقاليدها العريقة ما تزال قادرة على جمع الناس وإحياء روح الربيع في قلوب سكانها وزوارها.