الملتقى الدولي للتصوف يناقش علاقة التصوف بالقضايا الوطنية الكبرى بمشاركة نخبة من الباحثين والخبراء

أاحتضنت مدينة مكناس، في إطار فعاليات الدورة السادسة لمهرجان “عيساوة: مقامات وإيقاعات عالمية”، أشغال الملتقى الدولي للتصوف، الذي خصص إحدى ندواته العلمية لمناقشة موضوع “التصوف والقضايا الوطنية الكبرى: قضية الصحراء المغربية نموذجًا”، بمشاركة الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي عبد الرحيم المنار السليمي، وسعيد الخمسي، مدير الإعلام والتواصل بالمهرجان، إلى جانب نخبة من الباحثين والأكاديميين والخبراء.

وشكلت الندوة مناسبة لتسليط الضوء على العلاقة بين البعد الروحي للتصوف المغربي والقضايا الوطنية، واستعراض الأدوار التاريخية التي اضطلعت بها الزوايا والتصوف في ترسيخ قيم الوحدة الوطنية، وتعزيز التماسك المجتمعي، والانفتاح على مختلف الثقافات.

وتميزت هذه الدورة بتنظيم الندوة لأول مرة في صيغة مناظرة تلفزيونية، في تجربة فكرية وإعلامية جديدة أتاحت للجمهور متابعة نقاش علمي مباشر بين المتدخلين، حول المكانة الحضارية للتصوف المغربي وإسهامه في صيانة الهوية الوطنية وترسيخ الثوابت الدينية والوطنية.

وفي هذا السياق، أكد الأستاذ عبد الرحيم المنار السليمي أن التصوف يشكل أحد أهم مكونات الهوية الدينية والوطنية للمغرب، باعتباره البعد الروحي للإسلام المغربي، ومكونًا أساسيًا في ترسيخ وحدة الأمة المغربية وتعزيز تماسكها، مبرزًا أن المملكة تتميز عن العديد من الدول بامتلاكها روابط روحية وتاريخية تشكل أساس هويتها الجماعية.

وأوضح السليمي أن المغرب عرف، منذ ثمانينيات القرن الماضي، محاولات استهداف التصوف المغربي من خلال تيارات وافدة من المشرق، معتبراً أن ذلك كان في جوهره استهدافًا لخصوصية الإسلام المغربي، الذي يتميز بتقاليده الدينية والثقافية، مثل الكتاتيب القرآنية، والمواسم، والزوايا، والحضرة، وغيرها من المظاهر الروحية المتجذرة في المجتمع المغربي.

وأشار إلى أن الزوايا لعبت، عبر التاريخ، أدوارًا محورية في تأطير المجتمع المغربي، ليس فقط على المستوى الديني، بل أيضًا في الجوانب التربوية والاجتماعية والاقتصادية، كما ساهمت في مراحل تاريخية في تنظيم المجتمع قبل ظهور الأحزاب السياسية الحديثة.

وشدد على أن العلاقة بين الزوايا وإمارة المؤمنين تمثل إحدى الركائز الأساسية للنموذج المغربي، موضحًا أن إمارة المؤمنين ليست مجرد مؤسسة دينية، بل هي أيضًا مؤسسة دستورية ينص عليها الدستور المغربي، وتشكل إحدى المرجعيات الثلاث التي يقوم عليها النظام الدستوري للمملكة، إلى جانب التقاليد المغربية والمفاهيم الدستورية الحديثة.

وأضاف أن التصوف كان ولا يزال من أهم العوامل التي عززت الوحدة الوطنية من خلال شبكة الروابط الروحية التي تجمع مختلف مناطق المملكة، مؤكداً أن هذا البعد تجلى أيضًا في قضية الصحراء المغربية، حيث استند المغرب أمام محكمة العدل الدولية إلى وثائق تاريخية تثبت الروابط التي كانت تجمع الزوايا في الأقاليم الجنوبية بالسلاطين المغاربة في إطار مؤسسة البيعة وإمارة المؤمنين.

واعتبر السليمي أن التصوف يمثل امتدادًا طبيعيًا لإمارة المؤمنين خارج الحدود الوطنية، سواء في أوروبا أو غرب إفريقيا أو جنوب إفريقيا، بما يعكس الإشعاع الروحي للمغرب ودوره في نشر قيم الاعتدال والتسامح، كما ربط هذا الامتداد بالمبادرة الأطلسية لفائدة دول الساحل، مشيرًا إلى أن هذه المبادرة تستند، إلى جانب أبعادها السياسية والاقتصادية، إلى روابط روحية وتاريخية شكلتها الزوايا ومسارات الحج والقوافل التجارية التي ربطت المغرب ببلدان الساحل عبر قرون.

واعتمدت الندوة مقاربة إعلامية تجمع بين العمق الأكاديمي والتفاعل الجماهيري، بما يفتح المجال أمام نقاش أوسع حول القضايا الروحية والوطنية، ويقرب مضامينها من مختلف فئات الجمهور.

وتندرج هذه المبادرة ضمن رؤية مهرجان “عيساوة: مقامات وإيقاعات عالمية” الرامية إلى إبراز الأبعاد الروحية والفكرية للتصوف المغربي، والاحتفاء بالذاكرة والتراث والموسيقى المغربية الأصيلة، من خلال برنامج يجمع بين البعد العلمي والعروض الفنية والتراثية في فضاءات مدينة مكناس التاريخية.

منشورات ذات صلة

معرض الفرس بالجديدة.. منافسات رياضية وإشعاع ثقافي وعلمي في الدورة الـ17

معرض الفرس بالجديدة يتوج الصناع التقليديين المتميزين في حرف التبوريدة

رواق «Galerie H» يحتفي بعقد من الإبداع المغربي المعاصر بمشاركة 27 مصمما