لم تعد إزالة الكربون في الصناعة الغذائية المغربية مجرد قضية بيئية، بل أصبحت رهانًا اقتصاديًا واستراتيجيًا يرتبط بتنافسية المقاولات، والولوج إلى الأسواق الدولية، وتعزيز السيادة الصناعية. هذا ما أكده المشاركون في منتدى إزالة الكربون للصناعات الغذائية بالمغرب، الذي نظمته الفيدرالية الوطنية للصناعات الغذائية يوم 29 يونيو بالرباط، تحت إشراف وزارة الصناعة والتجارة ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، بمشاركة ممثلين عن القطاعين العام والخاص وخبراء ومؤسسات مالية.
وشكل المنتدى محطة مهمة للإعلان عن خارطة طريق تهدف إلى مواكبة إزالة الكربون في قطاع تبلغ معاملاته حوالي 191 مليار درهم، ويوفر أكثر من 206 آلاف منصب شغل، ويصدر منتجاته إلى 153 دولة، في ظل تزايد المتطلبات البيئية التي تفرضها الأسواق العالمية.
وفي افتتاح أشغال المنتدى، أكد رئيس الفيدرالية الوطنية للصناعات الغذائية، عبد المنعم العلج، أن التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة لضمان استدامة المقاولات والحفاظ على قدرتها التنافسية. من جانبه، اعتبر وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، أن إزالة الكربون تمثل خيارًا استراتيجيًا يعزز السيادة الطاقية للمغرب، ويمكن المقاولات من الاستعداد للتشريعات البيئية الجديدة التي تعتمدها الأسواق الدولية.
وخلال المنتدى، قدم مكتب BearingPoint نتائج الدراسة الخاصة بخارطة الطريق الوطنية لإزالة الكربون في الصناعات الغذائية، والتي أظهرت أن انبعاثات القطاع تقدر بحوالي 28 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنة 2024، يأتي 75% منها من الأنشطة الفلاحية المرتبطة بسلاسل الإنتاج. كما تبين أن قطاعات اللحوم الحمراء، والدواجن، والصناعات الحليبية مسؤولة عن نحو 65% من إجمالي الانبعاثات. وأشارت الدراسة إلى أنه في حال عدم اتخاذ إجراءات إضافية، قد ترتفع هذه الانبعاثات بنسبة 51% بحلول سنة 2040، مع التأكيد على وجود حلول تقنية قادرة على الحد منها، خاصة في مجالات النجاعة الطاقية والتبريد الصناعي.
وشهد المنتدى أيضًا تنظيم الدورة الأولى من جوائز إزالة الكربون للصناعات الغذائية، التي كرمت عدداً من المقاولات الرائدة في هذا المجال. فقد نالت كوسومار جائزة خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، ولوسيور كريستال جائزة النجاعة الطاقية، وسنطرال دانون جائزة إزالة الكربون من العمليات الصناعية، وفرماجري بل المغرب جائزة التدبير المستدام للمياه، فيما حصلت ECCBC المغرب على جائزة الاقتصاد الدائري، إلى جانب منح جائزة خاصة للجنة التحكيم لشركة Ara Rose.
وركزت الجلسات الثانية للمنتدى على سبل تحويل أهداف إزالة الكربون إلى مشاريع عملية داخل المقاولات، حيث ناقش ممثلون عن مغرب المقاولات (Maroc PME)، والبنك الألماني للتنمية KfW، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية BERD، والتجاري وفا بنك، وعنقود الطاقات المتجددة (Cluster ENR) آليات التمويل والمواكبة التقنية والحكامة الضرورية لإنجاح هذا التحول.
وفي هذا السياق، أكدت هدى بوشارة، مديرة التنمية بـ Cluster ENR، أن أغلب المقاولات أصبحت مدركة لأهمية إزالة الكربون، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية الانطلاق، واختيار الاستثمارات المناسبة، وتحديد الشركاء القادرين على مواكبتها في تنفيذ مشاريعها.
كما شدد المتدخلون على أن نجاح خارطة الطريق رهين بتوفير حلول تمويلية ملائمة، وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين، ومواكبة المقاولات، خصوصًا الصغرى والمتوسطة، عبر برامج للدعم والتكوين وبناء القدرات.
وخلص المنتدى إلى أن إزالة الكربون لم تعد مجرد التزام بيئي، بل أصبحت ركيزة أساسية لتعزيز تنافسية الصناعة الغذائية المغربية، وضمان استدامتها، وترسيخ مكانتها في الأسواق الدولية.